الخطيب البغدادي
231
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )
أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وقطعت الزنار ودنوت ، فقبلت يدها فلما فعلت ذلك رفعت البرنس فعرفتني ، فقالت : نَحُّوه لعنه الله ، فقالوا : لا تلعنيه فقد أسلم ، فقالت : إنما فعلت ذلك لقذره ، فعرضوا عليّ كسوة ، فقلت : ليس بي حاجة إلى هذه ، وإنما أردت أن أشرف بولائها ، فالحمد لله الذي مَنَّ عليّ بحضوركم وجلست ، فجعلوا يعلمونني الحمد وصليت معهم العصر ، وأنا في ذاك بين يديها أنظر إليها لا تقدر لي على حيلة ، فلما انصرفت لقيت خالصة فشكت إليها ، فقالت : ليس يخلو هذان من أن يكونا عاشقين أو مستأكلين ، فصح عزمهما على امتحاننا بمال على أن ندع التعرض لهما ، فإن قبلنا المال فنحن مستأكلان ، وإن لم نقبله فنحن عاشقان ، فلما كان الغد مرت خالصة فعرض لها صاحبها ، فقال له الخدم : اتبعنا فاتبعهم ، ثم لم نلبث أن مرت عتبة ، فقال لي الخدم : اتبعنا فاتبعتهم ، فمضت بي إلى منزل خليط لها بزاز ، فلما جلست دعت بي ، فقالت لي : يا هذا إنك شاب وأرى لك أدبا وأنا حرمة خليفة ، وقد تأنيتك فإن أنت كففت والا أنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين ، ثم لم آمن عليك ، قلت : فافعلي بأبي أنت وأمي ، فإنك إن سفكت دمى أرحتني فأسألك بالله إلا فعلت ذلك إذ لم يكن لي فيك نصيب ، فإما الحبس والحياة لا أراك فأنت في حرج من ذاك ، فقالت : لا تفعل يا هذا ، وأبق على نفسك ، وخذ هذه الخمس المائة الدينار ، واخرج عن هذا البلد ، فلما سمعت ذكر المال وليت هاربا ، فقالت : ردوه ، فلم تزل تردني ، فقلت : جعلت فداك ، ما أصنع بعرض من الدنيا وأنا لا أراك وإنك لتبطئين يوما واحدا عن الركوب فتضيق بي الأرض بما رحبت ، وهي تأبَى إلا ذكر المال حتى جعلت لي ألف دينار ، فأبيت وجاذبتها مجاذبة شديدة ، وقلت : لو أعطيتني جميع ما يحويه الخليفة ما كانت لي فيه حاجة وأنا لا أراك بعد أن أجد